نقلت "رويترز" عن مسؤول إماراتي، في 29 أبريل 2026، أن الدولة تعكف حالياً على مراجعة جدوى وأهمية المنظمات متعددة الأطراف، مع تأكيد أنها لا تدرس القيام بأي انسحابات في الوقت الراهن، هذه الصياغة، التي تبدو في ظاهرها مطمئنة، تحمل في جوهرها تحولاً أعمق، إذ لم تعد العضوية في أي إطار جماعي مسلّمة بحد ذاتها، بل أصبحت خاضعة لاختبار بارد يقوم على سؤال واحد، ما الذي تحققه هذه المنظمات فعلياً من عائد استراتيجي مقابل كلفتها السياسية والاقتصادية.
ضمن هذا السياق تحديداً، يمكن قراءة الانسحاب الإماراتي من "أوبك" في أواخر أبريل 2026، فالخطوة لا تبدو حادثة تقنية داخل سوق الطاقة، بل أول تطبيق عملي معلن لهذا التوجه الجديد. بلا شك، لم يعد السؤال لماذا تخرج الإمارات، بل لماذا تبقى في إطار لا يواكب وزنها ولا يخدم أولوياتها. وفي هذه اللحظة تحديداً، لا تعلن أبوظبي خلافاً داخل منظمة، بل تعلن أن معادلة البقاء داخل المؤسسات لمجرد كلف الخروج قد انتهت، وأن المشكلة لم تعد في قرار الانسحاب، بل في هشاشة الأسباب التي كانت تبرر البقاء.
المسألة هنا أبعد من خلاف على حصص إنتاج أو تباين عابر داخل سوق الطاقة، فالانسحاب من "أوبك" يبدو أقرب إلى المثال الأول، وربما الأبسط، على تحول أوسع في التفكير الإماراتي، من منطق البقاء داخل المؤسسات لأن الخروج منها مكلف سياسياً، إلى منطق معاكس يرى أن البقاء نفسه قد يصبح أكثر كلفة إذا تحولت المؤسسة إلى قيد على القرار السيادي أو إلى عبء لا يحقق عائداً استراتيجياً واضحاً. وبالتأكيد، أنه وفي هذه اللحظة تحديداً، لا تعلن الإمارات خلافاً داخل منظمة، بل تعلن انتهاء صلاحية معادلة كاملة حكمت سلوك الدول المتوسطة لعقود، معادلة لم تعد مختلة فقط، بل أصبحت مكلفة إلى درجة لا يمكن تبريرها سياسياً أو أمنياً.
من هذه الزاوية تكتسب تصريحات أنور قرقاش أهمية خاصة، ففي ملتقى عُقد في أبوظبي في منتصف أبريل 2026، واستشهدت به التغطيات الإعلامية، قال إن دول مجلس التعاون "دعمت بعضها لوجستياً"، لكن "من الناحية السياسية ومن الناحية العسكرية، أعتقد أن الموقف كان الأضعف تاريخياً"، مضيفاً أنه يتوقع هذا المستوى من الجامعة العربية لكنه "لا يتوقعه من مجلس التعاون ويستغربه". هذا الكلام لا يمكن قراءته بوصفه ملاحظة عابرة، بل باعتباره محضر اتهام سياسي ضد مؤسسات كان يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عندما تتعرض دولة عضو لتهديد مباشر. فالضعف هنا ليس خللاً عابراً، بل فشلٌ في أداء الوظيفة الأساسية التي وُجدت هذه المؤسسات من أجلها، وبصيغة أكثر صراحة، هذه المنظومات لم تتعثر عند الاختبار، بل غابت عنه.
في هذا السياق، لا يعود مستغرباً أن تتجه أبوظبي إلى تنويع شركائها بدل الارتهان لمنظومة واحدة، فالإمارات التي شعرت بفراغ أمني عربي وخليجي خلال هجمات إيران في أبريل 2026، عززت في المقابل علاقاتها مع الولايات المتحدة ودولة إسرائيل، وربطت أمنها وأمن فضائها البحري بشبكة تعاون أكثر مباشرة وفعالية.
هنا تتجسد الفكرة بوضوح، إذا كان البيت العربي عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الردع والحماية، فمن العبث انتظار معجزة من جامعة أو مجلس لا يملك القدرة على اتخاذ قرار، في حين أن اتفاقاً ثنائياً أو ثلاثياً قد يوفر ما لا تستطيع المنظومات التقليدية توفيره. بالتأكيد، أن العلاقة مع دولة إسرائيل، بكل ما تثيره من حساسيات، تُقرأ في أبوظبي كأداة لتعظيم النفوذ الإقليمي وتثبيت الموقع في معادلة الأمن الإقليمي، لا كهامش سياسي زائد عن الحاجة.
هذا التحول يعيد أيضاً تعريف العلاقة مع الدول العربية والإقليمية من أساسها، فالدعم المالي والاستثماري لم يعد مرشحاً للاستمرار بوصفه أداة مجانية لشراء التهدئة أو المجاملة السياسية. في بيئة كهذه، تصبح الودائع والمنح والاستثمارات أدوات نفوذ مشروطة بنتائج واضحة، لا مقابلاً لوعود فضفاضة أو مواقف رمادية أو حملات إعلامية مزدوجة المعايير.
ومن ثم فإن وقف التمويلات أو تقليصها حين لا يوجد مردود سياسي أو أمني أو اقتصادي حقيقي لا يبدو تشدداً، بل تصحيحاً متأخراً لعلاقة اختلت فيها المعادلة طويلاً لصالح المتلقي على حساب الممول. كما أن الدول الصغيرة أو المتوسطة تتمسك غالباً بالمؤسسات الجماعية لتعويض محدودية وزنها، أما الإمارات فتتصرف على أساس أنها راكمت من أدوات القوة ما يجعلها أقل حاجة إلى هذه المؤسسات بالشكل التقليدي. هذا المنطق ليس خاصاً بالإمارات وحدها.
لكن الوجه الآخر لهذه البراغماتية هو أنها تُحمّل الشركاء العرب والإقليميين مسؤولية الاختيار أيضاً، من يريد علاقة مستقرة مع الإمارات لم يعد يكفيه أن يرفع لافتات التضامن أو أن ينتظر دورات الدعم المالي المعهودة، المطلوب شراكة حقيقية، ومواقف واضحة وقت الأزمات، وقدر من الاتساق يتيح بناء الثقة على المدى الطويل. أما من اعتاد أن يتعامل مع أبوظبي باعتبارها ممولاً دائماً أو مظلة جاهزة من دون التزامات مقابلة، فسيجد أن قواعد اللعبة قد تغيرت بالفعل



















































